السعيد شنوقة

370

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

وقد استدل المصنف من خلال الآية : فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ الأعراف : 30 ] أنه لا أثر لله تعالى في ضلال الضالين لقوله : إِنَّهُمْ إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [ الأعراف : 30 ] أي تولوهم بالطاعة فيما أمروهم به ، وهذا دليل على أن علم الله لا أثر له في ضلالهم وأنهم هم الضالون باختيارهم وتوليهم الشياطين دون الله « 1 » . وذهب في تأويل قوله تعالى : إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ [ النحل : 37 ] يعد بيان المراد بالإضلال بأنه الخذلان المناقض للنصرة أنه تعالى : « ذكر عناد قريش وحرص رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على إيمانهم وعرفه أنهم من قسم من حقت عليه الضلالة وأنه لا يهدي [ من يضل ] أي لا يلطف بمن يخذل لأنه عبث والله تعالى متعال عن العبث لأنه من قبيل القبائح التي لا تجوز عليه « 2 » . ويواصل إقرار هذه الخلفية الاعتزالية في الآية : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ إبراهيم : 4 ] فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ : كقوله : فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [ التغابن : 2 ] لأن الله لا يضل إلا من يعلم أنه لا يؤمن ، ولا يهدي إلا من يعلم أنه يؤمن ، ثم يكرر معنى الإضلال بأنه التخلية ومنع الألطاف ، وأن المراد بالهداية التوفيق واللطف . ثم بيّن بأنه كناية عن الكفر والإيمان ، والله عز وجل لا يخذل إلا المتخاذلين ولا يلطف إلا بأهل اللطف « 3 » . فالإضلال والهداية لمن شاء من عباده اقتضتها حكمته عز وجل ببناء الأمر في ذلك على الاختيار . وهو ما ذهب إليه كذلك في الآية : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النحل : 93 ] قائلا : « الحكمة اقتضت أن يضل من يشاء وهو أن يخذل من علم أنه يختار الكفر ويصمم عليه . ويهدي من يشاء

--> ( 1 ) م ن ، ج 2 ، ص 76 . ( 2 ) م ن ، ج 2 ، ص 409 . ( 3 ) م ن ، ج 2 ، ص 367 .